الباحث محمد أقديم يكتب عن التصوف المغربي (تانسيفت 24)

محمد أقديم

دخول التصوف من المشرق الى المغرب كان انطلاقا من بداية القرن السادس الهجري\الثاني عشر الميلادي- عن طريق وفود الحجاج الى الديار المقدسة. و قبل هذه الفترة و طيلة العهد المرابطي الى فترة حكم يوسف ابن تاشفين، ليس هناك إلا السلوك الزهدي الفردي المحدود، و حيث كان أمراء الدولة المرابطية أكثر زهدا و ورعا و جهادا من كل مشاييخ التصوف، الذين سيظهرون في أواخر دولتهم، كمااعترفت بذلك المصادر الموحدية( ابن صاحب الصلاة – ابن القطان..) رغم عداوتها للدولة المرابطية.
و بعدما تأسست الدولة الموحدية على أنقاض الدولة المرابطية المالكية، مقيمة شرعيتها على أساس الإمامة و المهدوية كمذهب سياسي ( الامام المعصوم و المهدي المعلوم)و على خليط من عقائد المعتزلة و الأشعرية، و استثمر ابن تومرت بدهاء منقطع النظير أثار و بقايا التشيع للطائفة « البجلية » في الأطلس الكبير و سوس، ليبلور مشروعه السياسي المهدوي.
زحف الموحدين من جبل درن( الطلس الكبير) الى المناطق الديرية و السهلية و المدن، حيث التصوَّف في مرحلته الجنينية يقتات على بقايا التشيُّع الزيدي و الباطني لما قبل المرابطين في شمال المغرب و وسطه.
و تبقى علاقة الموحدين بالتصوف و المتصوفة علاقة متأرجحة بين القمع الشرس والاجتثاث للحركات الصوفية المتمرّدة في بداية الموحدين مع عبد المومن بن علي، و المراقبة والحذر و التضييق مع مشايخ التصوف و أقطابه و إحضارهم إلى مرّاكش في عهد المنصور و الناصر، والتساهل واللين في المرحلة الأخيرة، رغم ما اكتنف هذه العلاقة من عنف و توثر في المرحلة الأولى للدولة الموحدية، بفعل مخَلَّفات عملية التصفية و الإبادة التي قادها الموحِّدون ضد مصامدة السهل، في إطار حركة « الاعتراف » التي قادها خليفة المهدي ابن تومرت عبد المومن بن علي. مما ساهم في محاصرة التصوُّف نسبيا، فعملية الإبادة للقاعدة البشرية القبلية للمتصوفة الأوائل هي التي جعلتهم يظهرون نوعا من عدم الرضى و الرفض اتجاه دولة الموحدين في بدايتهم، و ليس ما يتبناه الموحدون من أفكار سياسية شيعية كالإمامة(المشيخة) و العصمة( الحفظ) و المهدوية( الكرامة)، فكل من المشروعين( الموحدي و الصوفي) يقتات على نفس بقايا التشيع لما قبل المرابطين، الذي ترسَّبَت عناصره في العديد من العادات الاجتماعية و التقاليد الدينية للمغاربة في تلك الفترة، و هو أثر شيعي لا يختلف في معظمه عما يمارسه هؤلاء المتصوفة اجتماعيا في « طوائفهم » من ولاية و كرامة و قطبية و قدسية.

ورغم ما تحاول العديد من الدراسات التاريخية المعاصرة إظهاره من تناقض و ما تسعى الى افتعاله من مواجهة بين الدولة الموحدية من جهة و رجال التصوُّف من جهة ثانية( محمد القبلي نموذجا)، بالتركيز على مرحلة التوثر بين المشروعين و تضخيم بعض عناصر هذا التوثر على أنها قاعدة عامة في تعامل الدولة الموحدية مع المتصوفة، من خلال قراءتها لمضمرات بعض كتب المناقب و التراجم السير( كتاب التشوف )، و من خلال ما تقدمه هذه الكتابات من انتفاضات قادها بعض مدَّعي المهدوية من المتصوفة ضد الدولة الموحدية( ) و سجْن عبد الله بن أبي محمد صالح الماجري (ت.651/1253م)( ) ابن مؤسس رباط آسفي و شيخ طائفة الماجريين أو الحجاج كقرائن تاريخية على قمع الموحدين للمتصوِّفة( )، متجاهلين أن هذه الطائفة( الماجريين) من أكثر الطوائف ولاء للدولة الموحدية الى جانب طائف الأمغاريين في رباط تيط نفطر( ).
فالوقائع التاريخية تؤكد أن الموحدين كانت علاقتهم بالتصوف متأرجحة بين العنف و القمع الشرس، و مراقبة و اللين و الاحتضان، فالعديد من رجال التصوف يشتغلون في القضاء والسلك الإداري للدولة الموحدية، وفي مقدمة هؤلاء التادلي، مؤلف كتاب  » التشوف لرجال التصوف »( )، كما أن كبار شيوخ التصوف لهم علاقة بوُلاة الدولة الموحدية بالأندلس.
لقد كان للقبضة الحديدية و القمع الشرس الذي واجه به الموحدون في بداية دولتهم لحركات التمّرد الصوفية في المغرب و الأندلس دورا تاريخيا كبيرا في ردع الحركة الصوفية و القضاء على طموحاتها السياسية ، ليتحوّل اهتمامها منذ تلك الفترة نحو التربية الصوفية و العمل الاجتماعي، تحت المراقبة الصارمة للدولة الموحدية، كما كان الأمر بالنسبة لمعظم رموز وشيوخ التصوف الذين عاشوا في فترة الموحدين، و من أبرزهم : أبو شعيب السارية الصنهاجي( توفي سنة 561هـ\ 1177م) ( ) و ابو يعزى لنور( توفي سنة 572هـ\ 1188م) ( ) ، و بن حرزهم (توفي سنة 559هـ\ 1175م)( ) وأبو مدين الغوث( توفي سنة 594هـ\ 1219)( )، و أبو عبد الله أمغار( ). حيث عمل هؤلاء المتصوفة في تتبيث مشروعهم على نهج نفس استراتيجية فقهاء المالكية في بناء المشروع المرابطي، القائمة على إنشاء الرباطات الدعوية التي تستقبل الزوار و المريدين( )، بل تحولت بعض الرباطات المالكية إلى ربط صوفية، مستغلّين أثر العقائد الشيعية لمرحلة ما قبل المرابطين، التي لازالت حية في مختلف مناطق المغرب، محاولين دمجها بالمذهب المالكي، و في عهد الدولة الموحدية ستبدأ مغربة التصوف مع أبو محمد صالح الماجري (ت631هـ)، و عبد اسلام بن مشِّيش ومريده أبو الحسن الشاذلي(المتوفى سنة 656هـ\ 1258)، و مع هذان الشيخ سيأخذ التصوف طابعه التنظيمي الطرقي في المشرق قبل أن ينتقل الى المغرب في القرن التاسع.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here