بقلم:  حسن البعزاوي

أثار انتباهي برنامج تلفزي تبثه القنوات الفرنسية يحمل عنوان « القرية المفضلة لدا الفرنسيين le village préféré  des français  » والذي يقدم وينسق فقراته الصحافي « ستيفان بيرن » ، ويعرض هذا البرنامج -المساپقة ربورتاجا مصورا لقرية من قرى فرنسا يكشف من خلاله الشق التاريخي والحضاري والطبيعي والجمالي للقرية وتقاليد سكانها وثقافتهم …وعلى المتتبعين للبرنامج من المشاهدين التصويت عبر الأنترنيت على القرية التي يرونها مميزة في نظرهم. وصدقوني فإنها مهمة ليس بالسهلة نظرا لمستوى جمال القرى المتبارية وتميزها كلها بمقومات حضارية وثقافية وجمالية على جميع الأصعدة ،وتميز ساكنتها بالانسجام وحبهم لقريتهم وتفانيهم في خدمتها وكذا المسؤولين المحليين ومدا تقديرهم واحترامهم للبلدة ومواطنيها ومستوى مجهوداتهم المبذولة لجعلهما يتبوآن الصدارة في كل شيء :في الابداع ،والنظافة، وتثمين المنتوج المحلي سواء كان ثقافيا أو صناعيا أو فلاحيا أو ثراثيا وجعله رافعة للبلدة وبصمة لها.

وما جعلني أشير الى هذا البرنامج هو ما أصبحت عليه مدننا في المغرب فلا يختلف إثنان أن أغلب مدن المغرب كبيراتها وصغيراتها أصبحت عبارة عن « جوطيات » بشعة بسبب انتشار الباعة المتجولين من كل الأصناف والأنواع :فرّاشة الملابس ،الأواني المنزلية ،الخضر، السمك النتن،الهواتف النقالة المستعملة ،المتلاشيات،عربات مجرورة وأخرى يدوية لوحات إشهارية مجسمات دميات لعرض الملابس ،مضلات أقرب الى الأكواخ منها الى المضلات …تحتل الشوارع الرئيسية والساحات العمومية والحدائق وأبواب المساجد والمستشفيات والشواطئ ومحيط المؤسسات التعليمية ….

ويتساءل المتسائل عن سبب هذه الفوضى المتزايدة يوما بعد يوم فيجد نفسه مضطرا الى تشبيه مدننا ب  » الأرياف والقرى » بسبب انتشار الحمير والبغال، والأرياف والقرى من هذه المظاهر بريئة لأن ليس منا واحد ينكر جمال الأرياف وهدوءها وصفاء هواءها وروعة مناظرها الطبيعية ؟ ويتساءل المتسائل في السياق ذاته عن سبب القاء الحبل عن الغارب وعدم تحرك الدولة لتطبيق القانون : قانون السير والجولان ، وحماية الملك العام ، وجمال المدن وجاذبياتها و وحق الراجلين في الرصيف ،وحق المنافسة الشريفة بين التجارة المنظمة والتجارة غير المنظمة وحق المواطن في بيئة نظيفة وحق الاستمتاع برمال الشاطئ وفضاؤه والحدائق العمومية على نذرتها … فمنهم من يلقي باللائمة على المجالس المنتخبة ومنهم من يحمل المسؤولية للسلطات المحلية ومنهم من يوجه اللوم للأمن الوطني ومنهم من يلوم تخلي المواطنين عن حقوقهم ومنهم من يتساءل عن دور شرطة البيئة… وتتناسل الأسئلة و يولد السؤال الواحد العشرات من الأسئلة فيقول البعض هل فقدت الدولة هبتها ولم تعد قادرة عن حماية مواطنيها وتطبيق القوانين؟ وأصبحت « السيبا » في البلاد ،خليط من المواطنين من أصناف متنوعة (ردرد السجون،،بلطجية، أعفاء …) يبسطون سيطرتهم على الشوارع والساحات ومواقف السيارات ؟ماذا حصل لهذه البلاد؟

وسرعان ما تجد التساؤلات الجواب الكافي لها بأن الدولة قوية وحاضرة وفعالة بالنظر الى عزمها بين الفينة والأخرى لإخلاء الملك العمومي ومنع كل مظاهر الفوضى والتسيب بين عشية وضحاها بمناسبة وغير مناسبة وفض التجمهرات والمظاهرات والاعتصامات الشعبية ،ولكن سرعان أيضا ما تصطدم هذه الحقيقة بحقيقة العود السريع الى الفوضى بعد انقضاء « المناسبة » وعود حليمة الى عادتها القديمة وكأن قبضة الحديد بالأمس أصبحت ضوءا أخضر يرخص للفوضى تثبيث أركانها في كل أنحاء المدن بشكل أوسع وأكثر خطر وبشاعة.

وترجع الأسئلة حارقة باحثة عن خبايا هذا المد والجزر هل له ارتباط بمسكنات موسمية وتقارير مغلوطة ترفع بين الفينة والأخرى من هنا وهناك لتنطلي المساحيق على وجه مدننا وتطمئن المسؤولين في المناصب العليا بأن « كلشي مزيان » ؟ أم بتزايد نسبة البطالة سنة بعد سنة ،أم بتحول اجتماعي لم يجد له مسوغا بعد في النظريات الاجتماعية ؟

فيضرب المواطن الغيور الأخماس في الأسداس ويغوص في أسئلة وفرضيات » ميتافيزيقة » تجمع بين علم الاجتماع و السياسة والقانون ، والجشع ، والجهل لعله يهتدي الى الخيط الرفيع الذي ينسج هذه الظاهرة الكارثة فيرجح تارة أن تكون لبعض رجال السلطة اليد العليا بحكم تخصصهم اليومي في عدم تدقيق توصيف الوضع في مجال نفوذهم الترابي والاعتماد على عيون قد يصيبها العمش لسبب أو آخر »!!! ويحمل المجالس المنتخبة خاصة مسيروها المسؤولية في هذه الفوضى تارة أخرى ،والتدليل على ذلك بأن أغلبية المسؤولين السياسيين همهم الأول هو الظفر بالانتخابات كل موسم وتعتبر الشريحة العريضة من أغلبية الباعة المتجولين القواعد الأساسية السهلة للمنتخبين الذين يغمضون أعينهم عن احتلال الملك العمومي ويوزعون رخص الاحتلال المؤقت للممرات والشوارع والأرصفة ذات اليمين وذات الشمال بل في بعض المدن فلقد تحولت فكرة سويقات القرب أو السويقات النموذجية وأرصفة الراجلين والممرات و المنتزهات السياحية وقارعة الشوارع الرئيسية وتفويت الشواطئ ومواقف السيارات خارج الضوابط القانونية الى طعم وإحسان انتخابي صرف …

والحالة هاته متى ستعلن قنواتنا التلفزية مسابقات من نوع « لوفيلاج بريفيري دي فرانسي  » أو  » ما هي المدينة المفضلة لدا الغاربة » فتكون المنافسة حول أنظف وأجمل مدينة ويكون المواطن والمسؤول فخوران بتمثيل مدنهما والدفاع عنها والدعوة الى التصويت عليها بكل روح مواطنة ؟

أكيد أننا كلنا نتحمل المسؤولية بدء بالمواطن الذي عليه كف يديه عن الأدى وإماطة أوساخه عن الفضاءات العمومية والبحث عن عيشه بكرامة و الرفع من منسوب التعفف وسلك السبل السليمة لبلوغ حقوقه، والمسؤول في جماعته وجب عليه الموازنة بين حقه في الترشح في الانتخابات وواجب وضع بصمة ايجابية بالمدينة أثناء مروره كمسؤول سيذكره التاريخ فعد قضاء نحبه السياسي والبيولوجي، ورجال السلطة باعتبارهم الحامي الأول لحقوق المواطنين وأمنهم ، ولنعلم جميعا أن الوطن بيتنا جميعا وانتماؤنا ومن المفروض أن لا نجد حرجا في إعلان ذلك جهرا في المحافل الاقليمية والدولية .

loading...

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here