لحسن قرعون*

شكلت البلاغة العربية قيمة إجرائية ومعرفية في نمط من الأنماط الدالة على اللغة في علاقتها بالاستعمال، الكامنة في البحث عن الكيفية الموصلة للمعنى إلى المتلقي. كونه أي المتلقي يسعى في تلاقيه للرسالة إلى فك شفرتها عن طريق عمليات التأويل والتفسير وفق السياق اللغوي وغير اللغوي وهذا كله في سبيل إنتاج رسالة رد، تكون مراعية لمقتضيات الأحوال.

وللحديث أكثر عن هذا الموضوع نطرح الإشكالات التالية:

ــ ما هي التداوليات وما سبل نشأتها؟

ــ  وما مجالات اهتمامها؟

ــ ما المقصود بالبلاغة في ربطها بإنتاج الخطاب؟.

ـــ ما علاقة التداوليات بالبلاغة؟.

اللسانيات التداولية: لقد كان للاتجاه التداولي اللغوي حدثا بارزا في ساحة الدرس اللساني الحديث بازدهاره الناتج عن تحول الاهتمام الذي كان كل من الاتجاه البنيوي والتوليدي يحظيان به، كون الجانب البنيوي كان يدرس مستويات اللغة  وفق إجراءاتها الداخلية، أما الجانب التوليدي فيلاحظ بأنه يقوم بوصف وتفسير النظام اللغوي، في هذا الإطار ظهرت اللسانيات التداولية  لتقوم بدراسة اللغة بعلاقتها بمستعمليها كما أنها اهتمت بالسياقات الخارجية الدائرة حول العملية التواصلية.

1ـ نشأة التداوليات وتطورها

إن التداوليات ماهي إلا علم تواصلي جديد، يقوم بمعالجة الكثير من الأمور المتعلقة باللغة كما أنه يقوم بتفسيرها، دون أن نغفل تلك المساهمة في حل المشاكل التي تعتري التواصل ومعوقاته، ومما ساعدها على ذلك هو أنها مجال رحب يستمد معارفه من مشارب مختلفة، من علم الاجتماع وعلم النفس المعرفي، وكذا اللسانيات وعلم الاتصال، والاثروبولوجيا والفلسفة التحليلية[1]

والجميل في التداوليات هذه هو إسنادها وتطبيقها لمبدأ تكامل المعارف، وهذا الإسناد جعلها ترتدي طابع التوسع في دراسة الجوانب المختلفة للغة ولذلك أعادت لنفسها أهمية بعدما كانت تعد سلة مهملات اللسانيات.

وبهذا يمكن القول بأن التداوليات ما هي إلا مقاربة تقوم بدراسة اللغة أثناء استعمالها في سياق التخاطب، كما أنها تسعى إلى الوصول إلى المعنى مع إحداث الأثر وهذا يحدث بقصدية المخاطب. وبهذا تكون  » اللسانيات التداولية اسما جديدا لطريقة قديمة في التفكير التي بدأت مع سقراط ثم تبعه أرسطو والرواقيون من بعده بيد أنها لم تظهر إلى الوجود كنظرية فلسفية إلا على يد باركلي، وتغذيها طائفة من العلوم وعلى رأسها: الفلسفة واللسانيات… »[2]

تعد اللسانيات التداولية كاتجاه جديد في دراسة اللغة  يحاول أن يبحث عن حل لبعض المشاكل اللغوية التي أهملتها اللسانيات ولم تهتم بها ك: { الفونولوجية والدلالة والتركيب,,,}، ولذلك « يعترف كارناب بأن التداولية درس غزير وجديد، بل يذهب إلى أكثر من هذا بقوله، إنها قاعدة للسانيات »[3]

إن التداوليات اليوم تحاول أن تجيب عن هذه الأسئلة التي نشأت في حضن الفلسفة:

« ماذا نفعل باللغة ؟ ما معنى أن نتكلم؟ ماذا نقول بالضبط؟ ولماذا نقول بهذه الطريقة وليس بغيرها؟ من يتكلم إذن؟ ومع من يتكلم؟ ولأجل ماذا؟ من تظنني أكون حتى تكلمني هكذا؟ ما الذي ينبغي معرفته لتحصيل الفهم؟ ما معنى أن تعد وتخبر أو تسأل؟ كيف يمكننا قول شيء آخر غير الذي نقصد؟ كيف يمكننا أن نقول ما نقصد من خلال ما لا نقصد، أو العكس؟ هل يمكن أن نقتصر على المعنى الحرفي لخطاب ما ؟ ما هي استعمالات اللغة؟ إلى أي حد يكون الواقع الإنساني محددا بكفايته اللغوية »[4]، لقد كانت التداوليات لا يعتد بها في مجال الدرس اللساني إلا في أواخر القرن العشرين مع فلاسفة مدرسة أكسفورد كل من جيم أوستين وجون سيرل وبول غرايس، وهم جميعا من مدرسة فلسفة اللغة الطبيعية في مقابل مدرسة اللغة التصورية، وبهذا تكون بداية اللسانيات التداولية من نظرية أفعال الكلام التي جاءت مع أوستين وقد سميت هذه المرحلة بمرحلة التأسيس، وتتضمن هذه النظرية ثلاثة أفعال نردها كالتالي:

1فعل القول: هذا الفعل هو الذي يحمل ألفاظ في جملة مفيدة سليمة التركيب وذات بناء نحوي صحيح للمعنى الأصلي، أو في أنتاج أصوات منتمية إلى لغة معينة.

2الفعل المتضمن للقول: أو ما يمكن تسميته بالفعل الإنجازي ويقصد به ما قد يؤديه الفعل اللفظي أو الصوتي من وظيفة في الاستعمال، فغاية المتكلم التعبير عن معنى في نفسه كالأمر … [5]

3الفعل الناتج عن القول: أو ما يمكن تسميته بالفعل التأثيري وهو ما يتركه الفعل الإنجازي من تأثير في السامع أو المخاطب سواء أ كان التأثير تأثيرا جسديا أم فكريا[6]

ويعتبر هذا الأخير أي ــ الفعل الإنجازي ــ من أهم الأفعال التي ركز عليها أوستين في نظريته حتى سميت بنظرية الأفعال الإنجازية، وكما تجدر الإشارة فجيم أوستين قام بتصنيف كل هذه الأفعال في خمس فصائل كبرى:

الأفعال اللغوية الحكمية

الأفعال اللغوية الإنفاذية

الأفعال اللغوية الوعدية

الأفعال اللغوية السلوكية

الأفعال اللغوية العرضية[7]

كل الجهد الذي بذله أوستين لغرض جعل نظريته متكاملة تعرض للانتقادات كونه لم يوفق في جعلها كذلك، ولذلك ظلت مفتقدة للمنهجية الواضحة، ولم تحدد هذه النظرية كعالمها إلى مع مجيء تلميذه سورل الذي جاء في مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة الضبط المنهجي أو النضج حيث حاول سورل أن يضع لهذه النظرية منهجا سليما كونه جاء بنظريته لغرض مراجعة ما قام به اوستين في تقسيمه الثلاثي لأفعال الكلام وقد قسمها سورل إلى:

فعل التلفظ: هذا الفعل يسميه أوستين بفعل القول الناتج عن مستوى الصوتي والتركيبي.

فعل القضوي: سمي هذا الفعل بهذا الاسم نسبة إلى القضية ويتضمن جانبين الإيحائي والدلالي.

فعل التكليمي: يتجلى هذا الفعل في القوة الموجودة في الجملة بدلالتها المجملة وهي بنفسها أي الجملة تضم غرض من الناحية التكليمية.

كل هذه الافعال قام سورل بصياغة قواعد أربعة لها:

قاعدة المحتوى القضوي {طلب من المخاطب}

القواعد التمهيدية {إنجاز الفعل}

القواعد الجدية{ الحالة النفسية للمتكلم}

القواعد الجوهرية {التأثير}

أما الأفعال الكلامية فإنه صنفها إلى خمسة أصناف:

الأفعال الحكمية / الأفعال الإلزامية   /  الأفعال التعبيرية  / الأفعال الإعلانية  /  الأفعال الأمرية[8]

إن نظرية أفعال الكلام التي تعد من أهم ما في الدرس التداولي لم تعرف كنظرية لها أسسها الفلسفية وكذا ضوابطها المنهجية إلا على يد أوستين وتلميذه سورل كونهما أعطيا لهذه النظرية بعدها الفلسفي والعلمي حين درسا فلسفة اللغة العادية محللين الظواهر اللغوية والصيغ الكلامية التي ينشأ عنها الفعل اللغوي {الكلامي}.

2ـ أهمية التداوليات وقضايا مفاهيمها:

تتجلى أهمية التداوليات في أنها تهتم باللغة أثناء التلفظ بها في السياق الذي وضعت فيه، كما أن الإنجاز الكلامي لبعض الأفعال يشكل بالنسبة لها جزءا لا يمكن تجزيئه من أهميتها. أما مفاهيمها فهي لا تنفك عنها كعلم الاستعمال كونه « دراسة لغوية تركز على المستعملين للغة، وسياق استعمالها في عملية التفسير اللغوي، بجوانبها المتنوعة، وينقسم هذا العلم إلى عدة فروع، يبحث الفرع الأول في كيف يحدد سياق المعنى القضوي الواحد بالنسبة لجملة مناسبة معينة لاستعمال الجملة، ونظرية الفعل الكلامي هي الفرع الثاني من علم الاستعمال، والفرع الثالث من علم الاستعمال هو نظرية التخاطب أو نظرية الاقتضاء »[9].

وبهذا يمكن القول بأن التداوليات ماهي إلا علم يهتم بالتواصل وكذلك ببعض الأنماط  التركيبية التي يكاد المشتغلين بالاتجاه التداولي يتفقون عليها وهي:

ـــ أفعال الكلام   ـــ الاستلزام الحواري    ـــ متضمنات القول   ـــ الرمزيات (الاشاريات) أما نظرية الملائمة والسياق والحجاج، فإنهم تنضويان تحت لواء الجانب التداولي  {الاتجاه التداولي}.

البلاغة العربية وعلاقتها بالتداوليات

1ـ البلاغة العربية

لقد ارتبط مصطلح البلاغة لدى اللغويين بالدلالة على حسن الكلام مع فصاحته، والبلاغة تعني الوصول وهذا الروماني يعرفها بقوله  » إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ »[10] ويقال هذا شخص بليغ أي  » الذي يصنع من كلامه تعبيرا عما في صدره فيبلغ به غايته من متلقيه بأيسر طريق وأحسن تعبيرا »[11] والبلاغة في ربطها بالكلام نجد القزويني يعرفها بقوله  » مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته »[12]

ويفهم من هذا الكلام بأن المتكلم يجب أن يراعي الطبيعة الكلامية والبعد النفسي.

2ـ علاقة البلاغة بالتداوليات

إن البلاغة العربية والتداوليات يهتمان معا باللغة في بعدها الإستعمالي والكامن في السياقات  الخاصة، وهناك من الباحثين اليوم يجعل البلاغة رهينة التداولية أي أنهما يعتمدتا  على عملية التلفظ مع مراعاة السياق والاهتمام بالعوامل المتحكمة فيهما معا.

والبلاغة بصفة عامة « تهتم بجملة من الأنماط التي تعد من صميم بحث اللسانيات التداولية وتكون في الكلام والمتكلم »[13]

وبهذا فالبلاغة والتداولية هما معا يقومان بدراسة الوسائل اللغوية التي يستعملها المتكلم في عملية التواصل، وعوامل المقام المؤثرة في اختيار أدوات معينة دون أخرى للتعبير عن قصده، كالعلاقة بين الكلام وسياق الحال وأثر العلاقة بين المتكلم والمخاطب على الكلم والمقاصد من الكلام[14]

وبهذا استطعت البلاغة العربية أن تقيم ذاك التقارب في دراستها لبعض التعابير اللغوية المدروسة في كل من المستوى الصوتي والصرفي والتركيب، والدلالي، وهذا ما تحدث عن الجرجاني في نظرية النظم والتعليق.

ومما يجب الوقوف عليه هنا هو أن البلاغة العربية في نشأتها ارتبطت بالنص القرآني أي نشأتها كانت دينية، والاهتمام فيه كان يدور حول الخطاب القرآني في بعده الاستعمالي.

ومما اهتم به البلاغيون هو أنهم وضعوا للبلاغة مبادئ تتجلى في:

مبدأ لكل مقام مقال

الاهتمام بأنماط الخطاب

دراسة الأساليب بنقلها من الدلالة الحقيقية إلى الدلالات الأخرى.

بعد عرضنا لهذا المقال يمكن القول بأن الاتجاه التداولي موجود في الثقافة العربية، وأنه يعد بمثابة  جزء لا يتجزأ عن البلاغة، كون مباحث هذه الأخيرة اعتمدت على الجانب التداولي، والعرب القدامى كانوا يشتغلون بالتداوليات إلا أنهم لم يضعوا لهذا الجانب مفهوما أو اسما خاصا.

المراجع المعتمدة في إعداد هذا المقال

1 :  عمان بوقرة، اللسانيات اتجاهاتها وقضاياها الراهنة، ص 163

2: نعمان بوقرة، اللسانيات اتجاهاتها وقضاياها الراهنة، ص 163.

3: عبد الهادي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية  تداولية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت،ط1، 2004، ص23

4: عبد السلام إسماعيلي علوي ،السميولسانيات وفلسفة اللغةـ بحث في تداوليات المعنى والتجاوز الدلالي ـ ص22 ، ص 23.

5:  ينظر طالب سيد هاشم الطبطبائي، نظرية الأفعال الكلامية بين فلسفة اللغة المعاصرين والبلاغيين العرب، مطبوعات جامعة الكويت، 1994، ص8

6: ينظر الجيلالي دلاش، مدخل إلى اللسانيات التداولي، ترجمة محمد يحياتن، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1992، ص 22.

7: المرجع نفسه ص 23

8:  ينظر طالب سيد هاشم الطبطبائي، نظرية الأفعال الكلامية بين فلسفة اللغة المعاصرين والبلاغيين العرب، مطبوعات جامعة الكويت، 1994، ص 30 ـ 31.

9:  صلاح إسماعيل عبد الحق، نظرية المعنى في فلسفة بول غرايس، الدار المصرية السعودية للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة (دط)، 2005، ص: 77 ـ 78.

10:  أبي الجسن علي بن عيسى الروماني ، النكث في إعجاز القرآن

11 : فان ديك ، النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، ترجمة، عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، المغرب (دط) 2000، ص 292.

12:  القز ويني، الإيضاح في علوم البلاغة، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان ص 11

13:  محمد كريم الكواز، البلاغة والنقد المصطلح والنشأة والتجديد ص 16

14 : جون بروان، ج، بول، تحليل الخطاب، ترجمة وتعليق محمد لطفي الزليطي، منير التريكي، جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية (دط) 1997م ، ص 32.

*طالب باحث بماستر السميولسانيات وتحليل الخطاب

 

 

loading...

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here