تساءل الشاعر والروائي المراكشي، ياسين عدنان ذات يوم “هل كان يوسف بن تاشفين من اختطَّ المدينة فعلا سنة 454 هجرية (1062م) بصحراء لا تُنبت إلا السّدر والحنظل ولا أنيس بها إلا الغزلان والنّعام” كما أكّد لنا المعلمون في مدرستنا الابتدائية في رياض العروس؟ أم أن درس التاريخ القديم الذي حفظناه عن ظهر قلب كان ناقصًا؟ الكتاب مفتوحٌ على المراجعة إذن، قلتُ في نفسي؛ فهذا كتابٌ لم يُطوَ بعد، ولعله لن يُطوى أبدًا.

ياسين عدنان، كتب عن مدينته، لها ولأهلها، كثيرا، قبل أن يسطر كتابه الأنيق “مراكش التي كانت” ولكن مراكش كيف كانت؟ سؤال يتسلل إلى الذهن من أول خطوة رجل تضعك خارج محطة القطار، وتلحفك شمس المدينة الحمراء.

ورغم أن الكاتب يجيب عن سؤاله وسؤالنا أيضا، حيث يقول إن “مراكش بالذات كانت كتابًا فاتنًا مهيبًا، كلما فتحتُ دفتيه أجدني أقرأ فأعيد وأستزيد. مراكش متنٌ أصيلٌ لا تُرهِقُه الهوامش والحواشي ولا يشبع من الشروح والتعاليق” إلا أن هذه المدينة العجوز الفاتنة تسحبك نحوها، لتكتشفها أنت وحدك.

مراكش، المدينة الحمراء، أو مدينة البهجة، المدينة التي تشبه إلى حد ما رجلا مغربيا بلباس أوروبي، أو سائحاً أوروبياً بلباس مغربي، فمن جهة لا تزال حاضرة يوسف بن تاشفين، تحتفظ بجلدها من زمن المرابطين، كما تمشي الهوينا مع نسق العصر المتسارع، فهنا عبق التاريخ، وهنا عذوبة المعاصرة.

للوهلة الأولى، تكشف لك المدينة عن سر اسمها، من خلال لون الجدران الطيني، الذي يشير إلى أن المدينة تختزل في تاريخها حكايا تشبه ألف ليلة وليلة، حكايا محاطة بالسور الذي يلف كل شيء.

للمدينة آثار تاريخية لا تخفى على أحد، فهي مغناطيس جلب الزوار الذين تحتفظ بهم الحمراء، المشهورة بشموسها الصبوحات تارة، والحارقة تارة أخرى، فالمدينة المغربية أسرارها السحرية، صاخبة، مفاجئة، مضيافة، مثيرة، غريبة، وجميلة، بحرمتها المليئة بالألوان.

عاصمة من أربع

تقع مراكش في منخفض عند سفح قمم جبال الأطلس، وهي واحدة من العواصم الإمبراطورية الأربع السابقة للمغرب، كمدن فاس ومكناس والرباط.

مراكش كانت نقطة استراتيجية للقوافل التجارية التي عبرت الصحراء محملة بالبضائع، وكان ذلك نقطة بداية مستقبل وشهرة، المدينة التي زاوجت التقاليد والحداثة.

وراء اللون الذي يوحد كل جزء من مباني المدينة منذ زمن سحيق ويحظر القانون صباغة مباني المدينة بلون مختلف عن الأحمر. مراكش مزيج من الألوان والروائح والنكهات، وذلك جلي في المدينة القديمة الأصيلة، كما يمكن لك اكتشاف معاصرة المدينة الحديثة ذات الطراز الفرنسي.

وخلف أبواب الجدران العتيقة التي تحيط بالمدينة القديمة، ستجد متاهة من الأزقة الضيقة والمتعرجة والممرات المتشعبة، وسوف تصطدم بقصر (الباهية) والأضرحة (مقابر السعديين) المساجد، الرياض وهو عبارة عن نزُلٍ من (المنازل التقليدية) والعديد منها تحول إلى فنادق فاخرة، وفي ذات المدينة هناك ما يمكن أن نسميه لوحة مراكش التشكيلية، السوق، ذي العديد من الدكاكين، مجمعة حسب الأغراض والسلع، حيث ستجد النعناع، والشاي، والأعشاب، والمجوهرات القديمة، والحرف اليدوية، والسلع الجلدية، والسجاد، والنعال والألبسة الشعبية.

هناك وأنت تقوم بشراء ما تريده، لا مفر لك من المساومة، وأحيانا تكون مهمة مستحيلة، لأن هناك تجارا لن يخفضوا لك فلسا واحدا.

للسوق صخب لا نهاية له، وأصوات في كل مكان تخطف انتباهك، صخب مستمر من الدراجات النارية، صخب حكايا المراكشيين وابتهاجهم المحلي المفرح، وتداخل لغات المسافرين الناطقين بكل لغات العالم. وفجأة في أوقات الصلاة، يرفع المؤذن عقيرته بالنداء إلى الصلاة، ويختلط الآذان بكل تلك فسيفساء في منظر بهيج.

مسجد الكتبية

في قلب المدينة القديمة يوجد مسجد الكتبية وقد بني في القرن الثاني عشر، والذي يمنع دخوله على غير المسلمين، مسجد لا يزال يذكر الزوار عربا وعجما، بحنين الحاضر للماضي، وللفردوس المفقود، فمئذنته التي يبلغ ارتفاعها 69 متراً، والتي استنسخت لا جيرالدا في إشبيلية، هي واحدة من معالم المدينة، التي تذكر المراكشي بالأندلسِ.

أما المعلمة الأخرى، فهي ساحة جامع الفنا، الواقعة في مدخل السوق، ومن رونقها دبيب نبضها الذي لا يتوقف نهارًا ولا ليلًا، لأن الجو يتغير تمامًا بين الراقصين مع الثعابين وأكشاك الطعام، وأسطح المقاهي.

وإلى الشمال الغربي للمدينة، هناك وجهها الحضاري، (جيليز/ تنطق كالجيم المصرية)، أكثر المناطق حداثة وأناقة في مراكش، حيث المطاعم والمقاهي الأكثر روعة، ومحلات المصممين العالميين الكبار، والفنادق والنوادي الليلية الفاخرة، والكازينوهات، ونادي رويال تنس كلوب مراكش، الأكثر شهرة، والقصور السكنية التي تذكرك بألف ليلة وليلة، والمسرح الملكي، ذي القبة الجميلة. كل هذا محاذاة مع الطرق الكبيرة التي تصطف الأشجار فيها، كمثل تلك المزروعة في شارعي الحسن الثاني ومحمد السادس.

ومع كل هذا، ورغم كل تلك الأماكن، إلا أن هناك فرقا كبيرا بين فندق المامونية وبقية المدينة، فهو المعلمة التاريخية المشهورة لمراكش في العالم، والمكان الذي جمع بين الرفاهية والغرابة، والذوق الرفيع الذي لا تشوبه شائبة.

خارج الفندق، كل شيء يبدو فوضى، فوضى تبدو كأنها منظمة؛ حشود تتحرك بين المد والجزر.

الجميع يحاول ألا يصطدم بمن يتقدم، وألا يصدم من يأتي، وألا يصطدم بالدراجات اللامتناهية التي تدور في كل الاتجاهات.

ومن المستحيل اتخاذ خطوة من دون ظهور “دليل” يقدم خدماته لك، أو بائع حلي.

عراف يدعي قراءة الطالع

هنا للضجيج الذي يصم الآذان رونقه الخاص؛ كأن المدينة وهي تكشف لك مفاتنها، تترجم لك قول الشاعر “هنا العذوبة والتعذيب قد جمعا… والحسن والضد في آنٍ لمفتكر”. هنا ضجيج الدراجات النابضة بالحيوية، والمجموعات الموسيقية التقليدية، التي تعزف أدائها في الوقت نفسه، وكل منها كما لو أن الآخرين غير موجودين، عراف يدعي قراءة الطالع والحظ و”حلايقي” يراقص الثعابين أو القردة المدربين، ورواة القصص أو الحكاءون.

ولكن بمجرد عبور مدخل المامونية، يحدث انقلاب حسي، حيث تتميز الممرات والغرف دائمًا بالإضاءة والعزلة الموسيقية والرائحة التي تنتج تناغمًا مثاليًا.

ويعدّ من بين أشهر ضيوف فندق الفخامة والغرائبية وينستون تشرشل (هناك غرفة باسمه) وإديث بياف، وكيرك دوغلاس، وتشارلي شابلن، وكاثرين دينوف… وقد كان بمثابة مسرح لألفريد هيتشكوك لتصوير الفيلم عام 1956 وجيمس ستيوارت ودوريس داي.

اعتاد السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي حكم المغرب لفترة طويلة من القرن الثامن عشر، على تقديم حديقة لأولاده في كل مرة يتزوجون فيها.

وهكذا حصل ابنه المأمون على حديقته، التي اعتاد أن يجمع فيها جلسته الرائعة التي تسمى “النزاهة” والتي ما زال المراكشيون يحافظون عليها.

وفي عام 1923 تم بناء فندق هناك، بمساعدة المهندسين المعماريين هنري بروست وأنطوان مارشيسيو، مع تفاصيل الهندسة المعمارية الفرنسية التي لم تقتل الجمالية المغربية.

تم تشييده بـ50 غرفة أصبحت 150 في عام 1946 خلال أول تجديد لها. وكانت هناك تعديلات أخرى في 1950 و1953 و1986 و2006. وعندما أعيد فتحه في عام 2009 أصبح لدى المامونية بالفعل 210 غرفة.

وتمتلئ الحديقة الداخلية للفندق الفخم بالطيور والأشجار، وتحتوي كذلك على بستان شهد زراعة الخضروات التي يتم تقديمها في مطاعم الفندق.

وفي مراكش، وُلد أنموذج سكن جديد، انتشر لاحقًا في مدن أخرى في المغرب، يسمى “الرياض”. وهو عبارة عن المنازل القديمة الأثرية، التي تم تجديدها، والتي تميل إلى أن تكون لها زخرفة دقيقة للغاية، وفناء أندلسي في الوسط وغرف خلابة بدون نوافذ، وهواؤها رطب جدا.

وعند مدخل فندق المامونية، لا يوجد مؤشر على عدد النجوم التي يمتلكها، ويقول أحد المسؤولين عن الفندق “ليست لدينا نجوم، لأننا نتجاوز الفئة القصوى؛ نحن من فئة رائعة” ولا يبالغ في كلامه، فذياك الفندق الأسطوري الضخم، لا يشبه إلا نفسه، كما أنه لا يوصف ولا يرسم بالكلمات.

المامونية ذاكرة تاريخية

عندما قررت الحكومة المغربية في السنة الماضية، الاتجاه لخوصصة أقدم وأفخم فندق في مراكش “المامونية” الذي يشارك في رأس ماله كل من المكتب الوطني للسكك الحديدية بنسبة 60 في المئة ومجلس جماعة مراكش بنسبة 20 في المئة وصندوق الايداع والتدبير بنسبة 20 في المئة، كانت ردة فعل المغاربة تتجه ضد ذلك، معتبرين أنه تاريخهم والتاريخ لا يباع.

ورأى الكاتب المغربي، عبد الحميد شوقي، في تصريح لصحيفة “القدس العربي” أنه “عندما يبدأ مجتمع في تفكيك ذاكرته، وتبخيس قيمتها فذلك ليس له إلا دلالة واحدة، وهي أن هذا المجتمع أو بالأصح أن القيمين عليه، يتماهون مع صورتهم الخاصة، وهي أنهم بائسون ومستعدون لتحويل أية قيمة رمزية أو تاريخية إلى مجرد رقم بارد، ينضاف إلى رصيد بنكي”.

وأضاف صاحب رواية “سدوم” أنه “في حين أن أي دولة هي بالتعريف، الضامن الأول والأخير للرأسمال الرمزي قبل الرأسمال المالي؛ فبيع المامونية هو طمس لذاكرة تاريخية وقيمة ثقافية تشكل سورا حصينا لرقعة جغرافية اسمها المغرب الأقصى، وفي هذه الحالة ستصبح الدولة، انطلاقا من هذا المنطق البئيس مستعدة لتفتيت أي أثر رمزي بدعوى أنه لا يجلب الثروة، ولا يساهم في السيولة المالية التي تحتاجها الدولة لتنفيذ مشاريعها”.

وأردف متسائلاً “إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تغدق الدولة نفسها أموالا باهظة على زوايا وإخوانيات دينية، ورابطات لشرفاء ينتمون لمجال متقادم ولا علاقة لهم بأي رأسمال مادي؟” مضيفًا، “إن تدمير الذاكرة هو فعل ممنهج يراد منه تأبيد صورة باهتة، وعتيقة عن البلد خارج التاريخ، في مقابل تدمير أي أثر مشرق يستمد منه البلد مقومات الوجود الذي يدفع نحو المستقبل”.

السواد الأعظم من المغاربة يرفضون بيعه، فأن تبيع دولةٌ أثراً، يشبه كتاب تاريخ، يحكي أكثر من ثلاثة قرون، ليس بالأمر الهيّن! والمامونية، حكاية إرث خلفته الأجيال السابقة، وأورثوا همه الثقيل جيلا بعد جيل، وأن يشيد الصمت دون الإقدام على بيعه، معناها أن الحكاية، قد أنهتها آلة الحكومة القاتلة، وستكون خيانةً يسكت عنها التاريخ الحاضر لأنها تحرجه، وعندما سنتذكرها، سيكون كل شيء قد رُتب ولَفَتْهُ استحالة التغيير.

القدس العربي

loading...

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here