محمد البندوري يكتب: تأثير الرسائل السياسية في مسار الخط العربي

آخر تحديث : الإثنين 9 أبريل 2018 - 1:54 صباحًا
محمد البندوري:

بلورت مجموعة من التصورات نوعا من التفكير النقــــدي العربي، وقــد رام مجال الخط في نطاقه الجمالي والثقافي والسياسي والنقدي كل المكونات الجمالية التي جعلته يحظى بالاهتمام والتقدير، ويخلف أثرا مباشرا في مسار الخط.

ولعل اهتمام البلاط العربي عموما والمغربي خاصة بشأن الخط أثر بشكل مباشر على المجال التنموي للخط وعلى الوجود الجمالي في الخط بصيَغه المتفاوتة والمتنوعة. ولعل أهم ما أثر في مسيرة الخط بشكل مباشر هي الرسائل السياسية التي كانت تكتب بجودة عالية ويطبعها مجال التأثر والتأثير بين أنواع متعددة من الخطوط، مما ولد تقاربا جماليا في عدد من الأنواع الخطية.

ولا شك أن كل وسائل الزينة التي تطبع تلك الرسائل والجماليات التي تلف الخطوط كان لها أثر في تشكيل مجال خطي سياسي كالخط الديواني في تركيا، والخط المغربي المجوهر والخط الزمامي في المغرب، وكعدد من الخطوط في المشرق العربي وفي بلاد آسيا التي طبعتها أعداد كثيرة من الجماليات.

ولعل تأثير حلل الجمال في الرسائل السلطانية بين الملوك ورؤساء البلدان أو بين الخلفاء والأعيان انعكس إيجابا على مسار الخط عموما، وقارب الوعي بالقيم الجمالية للخط وإنشاء مساحة فنية للمراسلات حيث تبدت في طابع خاص. بل إن الخط أضحى من خلالها أحد المكونات الأساسية في صنع الجمال البصري وتوصيل المعنى بطرائق جمالية تحفظ للنصوص تواصلها الإيجابي على نحو من الثقافة المحلية والقيم الجمالية لكل قُطر عربي إسلامي تتم من خلاله عمليات التبيين واللذة في القراءة. وقد كان للتحول الحضاري والتطور في الوسائل والتقنيات وفي ذهنية الإنسان العربي أثر في ظهور عدد من الخصائص الفنية والجمالية التي طبعت عددا كبيرا من الرسائل. فساد التجديد في الكتابة بطرق مختلفة من التنميق والزينة والجمال، وظهرت أقلام الرسائل السلطانية في نطاق الابتداع المتقدم الذي رام جماليات الخط في جماليات الرسائل، فأصبح للخط العربي شأن في كتابة الرسائل، واستوزر بعض الخلفاء خطاطين من درجات عالية في الجودة والتجديد، فبنوا أسسا متينة لكتابة الرسائل بنوع كبير من التكلف والتصنيع الجمالي، فأُطلق العنان لتبئير الرسائل بأشكال خطية ذات أبعاد جمالية مثّلت ثقافة كل منطقة على حدة، وإبداع كل قُطر تنتمي إليه.

وبلغت ذروتها في الجمال في المغرب بالنظر إلى شكل الخط المغربي المجوهر والمسند المغربي الذي غالبا ما يؤدي إلى إنتاج علامات تماثلية، وأشكال جمالية سواء تعلق الأمر بالنص العادي أو بالهوامش، مما يجعل عددا من الرسائل تتمظهر في صور خطية جلية ذات قيم فنية، بل ويتيح الفرصة لرسم معاني ذاك الجمال المرتبط بمحليته والمقيد بطقوس المنطقة التي ينتمي إليها. وهو ما شكل خصوصية تلك الرسائل جماليا، مما اقتضى ربط الصلة بين الخط وخطاب الرسائل، حيث أصبحت تعرف مناطق الرسائل من شكلها الفني وخطوطها العربية،

فأضحت تلك الخصوصية وطبيعتها الفنية صورة مألوفة بالرغم من عمليات التجديد والابتكار، تبين أنها من منطقة محددة ومعروفة. وبذلك رسم الخط صورة جمالية في الرسائل جعلها تتموقع في المقام البليغ إبداعا وفنا بأسلوب منهجي وفكري وحضاري شكّل وصلا بليغا في عمليات الإرسال والتلقي وفي العمليات الإبداعية، مما جعل تلك الرسائل لم تعد مجرد رسائل ذات مضمون معين فحسب؛ وإنما رسائل لها أسسها الجمالية ومقوماتها الفنية الدالة على عبقرية المناطق التي تنتمي إليها. فقد كان لتأثير الرسائل السياسية دور كبير في إنعاش الخط العربي وتنميته وتطوره وإبداء مختلف جمالياته.

loading...
2018-04-09 2018-04-09
تانسيفت 24

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة تانسيفت24
لتصلك آخر الأخبار يوميا

وستتلقى رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بنا فقط
ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.