د.محمد البندوري 

لاشك أن الرواية والتدوين، واقترانا بجمالية الخط العربي قد شكلوا جميعا لبنة معرفية  تهدف إلى الحفاظ على الشعر العربي،[1] لينتقل إلى الكتب النقدية ككتب التصحيف والتحريف والتنبيه،[2] والتي لعب الخط العربي فيها دورا رياديا من حيث التقويم وإثبات جمالية الدلالة والتوثيق الجمالي الأصوب.  ويمكن : » اعتبار القرن الثاني الهجري لحظة متميزة في سيرورة الحوار بين الشفوي والكتابي، ففي هذا القرن نشطت حركة الكتابة، الكتابة الديوانية وكتابة النثر الأدبي الفني مع عبد الحميد وابن المقفع وغيرهما. »[3]  فقد أقدم مجموعة من العلماء والكتاب على تدوين اللغة والشعر: » وقد كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية. »[4] ومنهم:أبو عمرو بن العلاء(ت154هـ) الذي : » كان يملك ثروة هائلة من المخطوطات التي خطها بنفسه وقد ملأت بيتا له يقرب من السقف. »[5]  وقد: » كانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف. »[6] ومنهم: » أبا عمرو الشيباني (ت213 هـ) كان مولعا بتدوين اللغة والشعر حتى تجمعت له من ذلك ثروة هائلة من المدونات. »[7] فقد قال عنه ابنه عمرو الذي تكنى به : » ولما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفا وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا وجعله في مسجد الكوفة حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا بخطه. »[8]

ولقد كان طبيعيا في ظل الكم الهائل من المؤلفات أن: » يرتبط تدوين الشعر في هذا القرن بسلسلة من القضايا والظواهر. »[9] ومن بينها: » أن المدونين كانوا يزاوجون في تجميع مادة مدوناتهم بين الرواية الشفوية والنقل عن المدونات القديمة[10] التي وصلت إلى القرن الثاني الهجري، وإذا كان الأول قد أنتج قضية نحل الشعر فإن الثاني قد طرح قضية (التصحيف) »[11] فالصحف القديمة، ولعدة عوامل[12] غالبا ما كانت توقع الكاتب[13] أو المدون: »  في إشكال القراءة الصحيحة، إما لبلابها أو لبداية تلاشي حروفها أو لخلوها[14]من الإعجام. »[15] وحتى: » بعد استعمال التنقيط والإعجام لم يتوقف التصحيف « [16] لأنهم: » إذا أغفلوا الاستقصاء في تنقيط الكلمة وإعجامها وقع التصحيف « [17] مما يفقد الشعر قيمته العلمية والأدبية، يقول ابن سلام الجمحي : » فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق ومثل ماروى الصحفيون[18] ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم. »[19] لذلك نص الأقدمون على تصحيح النصوص ونظروا إلى أهمية اللغة والخط : » من خلال الإلحاح على المقابلة بين النسخ والحرص على الضبط. »[20] وهو ما لم يكن بالأمر اليسير، فقد: » كان تقويم ما صحف منها من أعسر الأمور. »[21] لأن قراءة النص تطلبت أن تكون  » على الوجه الذي أراده عليه المؤلف أو على وجه يقرب من أصله الذي كتب به هذا المؤلف. »[22] وقد شكلت عمليات التقويم الخطية دورا حاسما في تصحيح مختلف التصحيفات والتحريفات التي شابت الكتابات العربية عموما سواء في الشعر أو في مختلف الأجناس الأدبية. ومن نماذج التصحيف:

قال ابن قتيبة: » قرئ يوما على الأصمعي في شعر أبي ذؤيب :

1* بأسفل ذات الدير أفرد جحشها[23]

فقال أعرابي حضر المجلس للقارئ، ضل ضلالك أيها القارئ، إنما هي في ذات الدبر وهي ثنية عندنا فأخذ الأصمعي بذلك فيما بعد »[24]

« ومن ذا يأخذ من شعر المعذل بن عبد الله في وصف الفرس:

2* من السح جوالا كأن غلامه ***  يضرف سبدا في العنان عمردا[25]

إلا قرأه سيدا، قد شبه الفرس بالذئب وليست الرواية المسموعة عنهم إلا سبدا قال أبو عبيدة: المصحفون لهذا الحرف كثير يروونه سيدا أي ذئبا وإنما هو سبد بالباء معجمة بواحدة. يقال فلات سبد أسباد أي داهية دواه. »[26]

والأمثلة في التراث العربي كثيرة حيث لعب الخط العربي دورا في تقويم هذه الظاهرة التي التبست بالنثر والشعر فكان للتوثيق الخطي حظوة جمالية في التقويم والتصويب وإثبات الدلالة.

 

 

  فلما كثر الاسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر فلم يئلوا الى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب .(طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي ج1 ص 25)  يئلوا إليه: يئل : لجأ وخلص، حن ورجع أي : لم يرجعوا إلى كتاب. ( القاموس المحيط ص 1378 )[1]

 مثل شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف للعسكري والتنبيه على حدوث التصحيف للأصفهاني وغيرها[2]

 العمري ص 206[3]

 طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي ص22[4]

 نقد الشعر عند العرب عبد العزيز جسوس ص 138[5]

 البيان والتبيين للجاحظ ج 1 ص 321 ونقد الشعر عند العرب عبد العزيز جسوس ص 138[6]

 نقد الشعر عند العرب عبد العزيز جسوس ص 139[7]

 إنباه الرواة ج 1 ص 256 ونقد الشعر عند العرب ص 139[8]

 نقد الشعر عند العرب ص 142[9]

 ذهب ناصر الدين الأسد الى أن بعض الشعر الجاهلي  » كتب في صحائف متفرقة أو في دواوين مجموعة منذ عهد مبكر جدا وربما كتب بعضه منذ العصر الجاهلي » مصادر الشعر الجاهلي ص 482[10]

 نقد الشعر عند العرب في الطور الشفوي ص 142[11]

 ذكر ابن سلام الجمحي ان العرب لما راجعت رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وماذهب من ذكر وقائعهم فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار فقالوا على ألسنة شعرائهم ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار التي قيلت(طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي دار المدني جدة ج1ص 46[12]

 قال مصطفى الغديري :ليلا يبني بناءه على ما لم يصح بسبب تصحيف أو تحريف أو بتر أو غير ذلك فيقسد التاريخ والواقع معا(البحث العلمي في التراث العربي ومعضلة النص تحقيق التراث المغربي الأندلسي منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية بوجدة1998  ص 6[13]

 قال صالح الأشتر: وقد بقي الناس في القرن الهجري الأول يكتبون بدون نقط ولا شكل فتشتبه الحروف في الكلمة على القارئ فيصحفها(ألوان من التصحيف والتحريف صالح الأشتر مطبوعات مجمع اللغة العربية دمشق 1412هـ 1992م مطبعة الضيباج ص6)[14]

 نقد الشعر عند العرب ص 142[15]

 ألوان من التصحيف والتحريف في كتب التراث الأدبي المحققة صالح الأشتر مطبوعات مجمع اللغة العربية دمشق1412هـ1992م ص7[16]

 التنبيه على حدوث التصحيف حمزة الأصفهاني ص28[17]

 الصحفيون جمع صحفي سبق تعريفه وهو الذي يروي الخطا عن قراءة الصحف بأشباه الحروف لسان العرب ص 412[18]

 طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي ج1 ص11 تح محمود شاكر مطبعة دار المدني جدة[19]

 تحقيق نصوص التراث في القديم والحديث منشورات مجمع الفاتح للجامعات طرابلس ليبيا 1989 ص 15[20]

 طبقات ابن المعتز تحقيق عبد الستار احمد فراج ص 7[21]

 تحقيق التراث العربي نشأته ومناهحه مجبل لازم مسلم المالكي مجلة جذور النراث العدد العاشررجب 1423 شتنبر 2002 ص 125[22]

الشطر الثاني من البيت : فقد ولهت يومين فهي خلوج ، فقال الأصمعي :ذات الدير: مكان، فقال أعرابي حضر المجلس إنما ذات الدبر ( شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف للعسكري ص 85) وورد في الديوان خشفها مكان جحشها وطردت بدل ولهت والجحش في لغة هذيل بمعنى الخشف وهو ولد الظبية إذا قوى وتحرك، ولهت ذهب عقلها على ولدها. وفي معجم ياقوت :الدبر بفتح أوله وسكون ثانيه وراه، وذات الدبر ثنية قال الأعرابي : وصحفه . ( شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص85) والخلوج التي نزع عنها ولدها، والبيت من قصيدة مطلعها  صبا صبوة بل لج وهو لجوج **وزالت لها بالانعمين خدوج (ديوان أبي ذؤيب طبع دار الكتب المصرية ص 50)[23]

 الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 22 (وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف للعسكري ص 84 و85 )[24]

 طويلا قويا و البيت للمعذل بن عبد الله في وصف الفرس وقد ورد في الشعر والشعراء لابن قتيبة ومن ذا من الناس يأخذ من دفتر شعر المعذل بن عبد الله في صف الفرس: من السح(البيت) إلا قرأه سيدا يذهب الى الذئب . ومما خولف فيه أبو عبيدة بيت ذكره لبيت شاعر: من السح(البيت) والشعراء قد تشبه الفرس بالذئب وليست الرواية المسموعة عنهم إلا سبدا، والمصحفون يروونه سيدا أي ذئبا وبه جاء شعر جرير:على سابح نهد يشبه بالضحى **  إذا عاد فيه الركض سيدا عمودا،  وإنما هو سبد بالباء معجمة بواحدة، وقوله من السح: يريد من الخيل التي تسح الجري: أي تصبه. والممرد الطويل، وقيل الشرس الخلق القوي(شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص 84)[25]

 الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 22 [26]

loading...

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here