الباحثة المغربية عواطف الغالي

تانسيفت 24

قدمت الباحثة عواطف الغالي قراءة في كتاب جماليات الخط المغربي في التراث المغربي لمحمد البندوري خلال حفل أدبي بالمكتبة الوسائطية لمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء ضمن موازيات معرض الكتاب.

لقد حاول د. محمد البندوري من خلالِ هذه الدراسة أن يعرضَ أَهَمَّ مَلامِحِ جماليةِ الخط المغربي ودورها في تغيير ملامح النصوص الأدبية في التراث المغربي، معتمدا في ذلك على عدد من النصوص الجماليةِ المؤطرةِ بالدال الخطي. وقبل تَناوُلِها بالدراسةِ عَرَضَ أهَمَّ الإسهاماتِ النظرية التي تَفاعَلتْ مع الدال الخطي ورَصدتْ الأبعادَ الجماليةَ للخط، فَرَصدَ مختلفَ الإسهاماتِ التي تَناولتْ الخطَّ من منظور جمالي، وانْفتَحَتْ على المجالات والفنون الأدبية الأخرى، وذلك لرصد العلائق الوطيدة بينها وبين الخط العربي من جهة، والوقوف على البعد الجمالي للخط ودورهِ في تحريك عمليةِ الإبداعِ وقلبِ المفهومِ السائدِ من جهة أخرى. مبرزا جهودَ العلماءِ في ذلك. حيث اتّسمتْ آراءُ الجاحظ مثلا بِسِمَةٍ إيجابيةٍ لأنّها رامتْ كُلَّ أشكالِ الخطوطِ والقَنَواتِ التواصُليةِ، مما أسهمَ في التَّحوُّلاتِ التي عرفها مجالُ الخط، وأنْتَجَ أبعادا جماليةً مما تزخرُ به نظرياتُه، تبلورتِ في الصيغ الجماليةِ والسُّبُلِ المظهريةِ الإقناعيةِ خصوصا وأن النصوص الشعرية قد كُتِبَتْ بخطوط متفاوتةِ الجمالِ ومختلفةِ الشكلِ والنَّوع. فقد تَطرَّقَ لِبيانِ الخط واسْتثمرَهُ كمجالٍ جمالي في التواصل، وقَرَعَ سيميائيةَ الخط وِفْقَ أنظمةٍ رمزيةٍ وسيميائيةٍ في إشارة لأداءِ وظيفةِ البيانِ عن طريق الرؤيةِ البصريةِ التي تُحقّقُ التَّواصل.

وفي  نطاق المراحلِ التجديدية، فإنّ مشروعَ التأويلِ قد أَسْهَمَ هو الآخر في تَثْبيتِ بلاغــــــــــــــةِ الخطِّ وإرْسائها، خصوصا مع ظهور مجموعةٍ من المؤلفاتِ التي خَصَّبَتْ المجالَ البياني والفلسفي والجمالي، فحازم القرطاجني قد لفت الانتباه إلى التماثل الحاصل بين الإبداع الشعري وبين الفن البصري حين إشارته إلى العلاقة القائمة بين فن الشعر وفن التصوير، في حين نجد عددا من المؤلفات الأخرى منها المنزع البديع الذي يشكل حلقة مغربية مهمة في النقد والبلاغة طَرَقَ من خلاله السجلماسي علاقة الفن بالنفس أثناء العملية الإبداعية. وكتاب ابن البناء المراكشي الذي طال إظهار العلاقة الكائنة بين اللفظ والخط والسمع. ورسم لذلك صورةً مَظْهريةً قِوامُها الحَرْف، إلى غير ذلك من المؤلفات. فضلا عن ظهور حركات فنية تهتم بمجال الكتابة تنميقا وتزويقا وجمالا. بالإضافة إلى إسهامات المنظرين المغاربة لجمال الخط، أمثال أحمد بن محمد الرِّفاعي الحَسَني من خلال حِلْيةِ الكِتَاب وَمُنْيَةِ الطُّلاَّب كإسْهامٍ مغربي تَناوَلَ جماليةَ الخط، وحُسْنَ الخط، ومنافعَ الخط، وأدوارَ الخط التواصلية. وكل ذلك وغيره كان له وَقْعُه في المشهد الثقافي الخطي المغربي نَقْدا وتَصوُّرا وإبداعا جديدا، أخذ أسسه من هذه التجارب، لينتج نصوصا جمالية اتخذت صورا متعددة.

وفي هذا السياق فإن د. محمد البندوري، ومن خلال هذا الكتاب قد تفاعل مع مجموعة من النصوص الخطية الجمالية في المخطوطات المشحونة بالألغاز والأرماز والإشارات والتدهيشات المخزونة في أشكال الحروف، فوَقَفَ من خلالها على ما شكلته من جماليات، منها ما يخص:

  • المصاحف القرآنية الشريفة: التي يمكن عَدُّها سابقة من حيث دراسة جمالية الخط في المصاحف وما يرافقها من مفردات جمالية، وما احتوته من معاني ودلالات.
  • النصوص النثرية بخط المسند المغربي: لم يسبق لأحدٍ اقتحامُها نظرا لخصوصياتها الخطية التي تستعصي على القارئ، وقد استجلى د. محمد البندوري من خلال هذا الكتاب الغموض الذي يَلُفُّ النصوصَ المكتوبةَ بالخط المُسند المغربي.
  • النصوص النثرية التصويرية:التي تُعَدُّ مظهرا من مظاهر النص البصري في التراث المغربي. وقد تم رسم النص وفق صيغة جمالية مختلفة، تجمع بين صورتين في آن واحد يمكن إدخالها في نمط التشكيل المشجر أو أيقون السنبلة، وقد أنتج نتائج دلالية.
  • النصوص التشكيلية:لقد اتخذت صيغة هندسية مغايرة للأشكال الهندسية المألوفة في التشكيلات البديعية، بالرغم من طابع التجريد الذي خيم عليها، مما منحها إيحاءات دلالية.
  • النصوص النعالية:شكل النص الصحراوي من خلال أيقون النعل الشريف منحى جماليا تأسس على علاقة التجاور بين النص النثري والشعري والرسم، وقد قدم وصفا غاية في الدقة للنوع البديعي المقترن بالنعل النبوي الشريف من خلال تشكيل جمالي صحراوي، يبين في مظهره المسلك الجمالي والأدبي الذي سلكه المبدع في رسم صورة النعل مقترنة بنص أدبي وأبيات شعرية وزخرفات وألوان تنطوي على مقصدية روحية وغرض مدحي.
  • التشكيل المجوهر:لقد شكلت الرسوم والزخارف المكتوبة في النص الذي تم تقديمه في الكتاب شكلا تركيبيا جماليا دالا على معاني. وهو ينبني على ارتقاء مجال الكتابة فنيا إلى مستوى التشكل بحرية في الفضاء. ويُعدُّ هذا الأُنموذج أسلوبا خطيا جماليا حرا في التعبير، فكل رسم أو خط أو علامة له دلالة خاصة في النص، كما أن كل العناصر تؤدي في حالة تركيبها معاني دقيقة، باعتبار أن حروف الخط المغربي المُجَوْهَر تُؤدي وظيفةَ عمل تجريدي وفق معنى وغرض معين. فإذا كان المعنى في حد ذاته فكرة مضمرة، فإن شكل الحرف المختلف والمتنوع وطريقة وضعه في هذا النص وطريقة توجيهه يُعَبّر عن أداء المعنى، وعن استمراريته، وبذلك يأخذ موقعه كوسيلةٍ تَواصُليةٍ وكإنتاجٍ فني حابلٍ بالمعاني.
  • الأشكال الخطية الزخرفية:تَمَظْهَرَ النموذجُ المُقَدَّمُ في هيئات خطية وزُخرفية متنوعة الأشكال، مهيكلة وفق الصورة المرسومة بِحُرّيةٍ أدبيةٍ وفنية، تتبدى فيها الغرابة، وقد اعتمدت أساسا في بنيتها على خط الثلث المغربي والخط المجوهر المغربي والزخرفة.
  • أنموذج التخميس: يشكل هذا النمط الشعري في هذا الكتاب أحد النصوص الشعرية البصرية الموشومة بصيغة هندسية تتمثل ضمن وحدات خطية كتابية تتفرع في مجموعة من الخانات. وقد اعتُمِد فيها خط الثلث المغربي والخط المجوهر، حيث ساهم هذا البناء في الإيفاء بالغرض وترسيخ المضمون الروحي الذي يروم مدح خير البرية.
  • التشكيل الدائري: بُنيت القصيدة الشعرية في هذا التشكيل بتوظيف الدال الخطي، متفردة باستعاراتها المجازية والاستعارات البصرية التي تستلهم الفضاء والكواكب وجمالية الأشكال الخطية واللونية والزخرفية. فقد تم وضع هذا الشعر وفق نسق تشكيلي هندسي يتخذ من التصوير، ومن التجريد مادة ممزوجة ببعضها البعض، فتتخذ بعض الأشكــــــال الحروفية والمُنَمْنِمات أدِلَّةً أيقونيةً تَتَماثَل مع موضوع واقعي تستند عليه. وبذلك نحصل على نتائج مهمة تتكون من عدد من المعاني والدلالات.
  • التشكيل المستطيل:يُقدّم هذا النموذج الفاعلية الإبداعية وإثبات القدرة على تركيب نص مغاير من خلال تَحَقُّق الأشكال الحروفية في الكتابة بجمالية وبلاغة، تثبت وجودها كفعل متأصل في التاريخ البلاغي العربي الإسلامي. فالتشكيل الخطي لهذه النصوص الشعرية المستطيلة ليس مجرد مظهر تزييني خارجي فقط، بل هو بنية تواصلية تخترق البصر وتنفذ إلى الأعماق. وقد شكل أيقونا ساهم في توليد دلالات جديدة تتماثل مع المضمون.
  • التشكيل المستطيل العميق:لقد شكل هذا النموذج وجودا قيميا في الواقع الجمالي للخط المغربي في مساحات نصية مكثفة تمتد على طول الجدران بزخارف ومنمنمات وأشكال خطية جمالية ذات معاني ودلالات تداولية وتواصلية وعظماتية.
  • الأشكال الخطية في السكة النقدية:لقد تمخض عن هذه الأشكال دلالات ومعاني. كما أن الرموز التي رافقت تلك الأشكال قد توحدت معها في الإيحاءات الرمزية والدلالية، وقد كشفت عملية التحليل والتأويل عن ارتباط المضامين بأغراض روحية، وثبت من خلال البحث أن تلك الرموز لم توضع عبثا وإنما بدلالات محددة. وقد دل التوافق من خلال التشابه بين الرموز في الجداريات والسكة النقدية عن مقصديات روحية ترسخت في الذهنية المغربية.

وفي سياق آخر فقد استجلى د. محمد البندوري من تلك النماذج خط مغربي جديد: وهو الخط المغربي الصحراوي، وتم وضع قواعد تقريبية له، كما قام بتصحيح مجموعة من المفاهيم الخاطئة التي يقع فيها بعض الباحثين.

ولقد بدا من خلال كل النماذج التطبيقية التي قدمها د. محمد البندوري في هذا الكتاب أنها أسهمت في نشوء بلاغة جديدة، خصوصا وأنها تفاعلت مع مجال خطي نصي إبداعي ظل في طي الكتمان، وهو يتصل مباشرة بالثقافة المغربية ويتصل بمختلف عناصر التراث المغربي. فبَيـَّنَ قُدرة الخط المغربي في إضفاء الجمالية على النص النثري والشعري في مختلف الوسائل التي رافقت العمليات الإبداعية، وأَظْهَرَ كيف تتنوع جماليات الخط المغربي لتنتج دلالات متعددة بتعدد الطرق والأساليب، وتعدد الوسائل والتقنيات. فكان دور هذه الجماليات يتغير ما بين وقوع الخط على الجدران أو في النسيج أو على الحرير أوفي السكة النقدية أوعلى الرق أو على الورق أو على الزليج المغربي أو على الخشب..

وقد جمع في هذا الكتاب بين مجموعة من المصادر التي تناولت جمالية الخـط المغربي بأصول نظرية وأخرى مادية، واعتماد حقائق علميـة، وكذلك مصـادر مختلفة تروم علاقة الخـط العربي والمغربي وأنواعه وأشكاله الجمالية.

وإن أهم ما يمكن استخلاصه من هذا الكتاب هو ما حققه من نتائج علمية، منها مساهمة جمالية الخط المغربي من خلال النصوص المتنوعة في التراث المغربي في تحصيل معاني ودلالات مختلفة باختلاف النصوص الجمالية وتنوعها. وتوليد عوالم جديدة تغذي المشهد العلمي والمعرفي والثقافي.

 

loading...

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here