بقلم : ذ.إدريس المغلشي

في غفلة منا ونحن مندمجون في اللعب، نتصبب عرقا و نسابق الزمن من أجل قضاء وقت ممتع خلال عطلة قصيرة، كأنها حلم خاطف متسارع لم يقو على التقاط أنفاسه في الطريق، هي هكذا الأيام الجميلة والقصيرة في نفس الآن لا تترك لنا فرصة من أجل الاستمتاع بها.

كنا نضجر كلما بدأ العد العكسي لحزم الأمتعة ومغادرة البلدة، يباغت صياحنا الصاخب المتعالي في السماء وهو يسابق السحاب صهيل خيول قادمة من مناطق بعيدة يوقف حركتنا وشغبنا، فيعم الفرح ويشتد بإعلان موسم  » بلكرن ».

سنعاين الفرجة بكل أصنافها فهي مناسبة يحج إليه الناس كل سنة من كل فج عميق في وقت معلوم،  الطريق المؤدية إليه أصبحت تعرف رواجا غير عاد .لقد أصبحنا نشاهد مرور مجموعات متفاوتة العدد بشكل متقطع أمام بيت العائلة العامر المحاذي للطريق الرئيسية،  حيث يلتقي الجميع هنا، تنظف الساحة أمام البيت وتنصب الخيام، كمحطة لالتقاء الوافدين على دوابهم.

سيبيتون الليلة هنا في ضيافة الخال محمد،  جرت على ألسنة الجميع كنيته المشهورة  » الفقير » أكثر من اسمه الحقيقي سنستمتع الليلة بترانيم عذبة وأصوات شجية، تهاليل وقراءة القرآن.

كنا نتساءل باندهاش كبير : من أين لخالي بهذه الطاقة لاستقبال كل هذه الأعداد الغفيرة من الزائرين، تراه يطوف بين الوفود مرحبا مبتسما، هكذا هو مهما بلغت به شدة الظروف والأزمة فهو كريم بطبعه مضياف لا تراه يردد سوى لازمته المعروفة « كلشي ربح ».

كنا ذات ليلة في بادية  » الحاشية » التي تمتد على مد البصر لا حدود لها، في أقصاها يتراءى لك من بعيد كخيال يتماوج بين الحقيقة والخيال  » كار مضور  » يخترق السراب تاركا وراءه خطا معلقا في الهواء بشكل حلزوني ثم يندثر يمر في طريق غير معبدة، توقيته لا يتغير، تضبط عليه الساعة بدقة متناهية، هناك يلوح سراب كأنه بحر بدون سفن ولا أمواج، طيور جميلة نراها لأول مرة تختلف عما نراه كالمعتاد، حلت في فصل الربيع وقد جاءت من منطقة بعيدة .

البلدة لبعدها عن الحاضرة ولطبيعتها الجغرافية واحتضانها لعائلات لها تاريخ كما يحكي لنا كبار العائلة،  » لبصارة – لكشاردة -الحاج خليفة والحاج عمر.. » تعرف مستواهم المعيشي من خلال عدد رؤوس الأغنام والخيل والأبقار، قطيع يغطي عين الشمس كما يحلو للبعض التعبير به عن الكثرة والثراء وسعة الرزق.

المتهور من يغامر بالدخول إلى منطقة نفوذهم متحديا، فهم يجسدون حرفيا دون تردد مقولة « الداخل مفقود والخارج مولود  » لكن تظهر سطوتهم في المعروف والكرم وحسن وفادة الضيوف لاسيما حين تمر القوافل قاصدة الموسم فتلك قصة أخرى.

كنت صغيرا حين أسابق إخوتي لأفوز برحلة استكشافية مع خالي محمد  » الفقير  » الذي كان يمتحنني بسؤال مباغت حتى يستطيع أن يمنحني فرصة مرافقته. كان يرفض بالمطلق منحة بدون مقابل، لاسيما أن جلنا قادم من مدارس المدينة عليك أن تبرهن أنك تستحق هذه المكافأة عن باقي إخوتك وأبناء خالتك الذين جاؤوا للبادية في عطلة الربيع.

كان التنافس على أشده وقليلا ما تفوز بمكسب ركوب دراجة أو زيارة السوق الأسبوعي » لثلات » أو الذهاب إلى الطاحونة قرب « نيميرو الصويري » وهي رحلة تتوج باقتناء حلوى من الدكان المجاور لها.

ما أمتعها من لحظة وأنت تحافظ على قطع الحلوى في جيبك الصغير …! و توزعها قطعا صغيرة لتحتفظ بها على مر الأسبوع دون أن تمكن أحدا منها في نرجسية قل نظيرها. والآخرون يتحينون فرصة غفوة أو سهو من أجل سرقة بعضها من جيب سريلك وأنت نائم.

لن ينفع بعدها بكاء مهما اشتد ليكسر صمت وقت القيلولة، التي ينضبط لها الكل دون تمييز، وأي تهور فهو مكلف، تستمر في رفع وثيرة البكاء كصهيل يرتفع إلى عنان السماء متعاليا يحمل معه كل أشكال الشكوى و التظلم ومرفقا بتمرغ يشبه لحد بعيد نوع من الجذبة التي لا تحل مشكلا، لأن ما وقع يصعب معه إيجاد المسروق.

هي قصص صراع غير متكافئ فهناك من يعمل بتفان في المقابل هناك من يجيد سرقة المحصول دون بذل مجهود يذكر إنه فقط يجيد مصادرة حق الآخرين، هي هكذا الدنيا فالأمور فيها غير متكافئة.

نبذة من مسار طفولة شقية سنة 1975

loading...

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here