بقلم : لحسن شافع

أورد أبو زيد عبد الرحمان التمنارتي ( توفي 1060هجرية / 1650 ميلادية ) رواية تاريخية مهمة يمكن اعتبارها حجة على نجاح سياسة الحجر الصحي ونجاعته في محاصرة الفيروسات التي تتسبب في جوائح وأوبئة فتاكة، فوثق لنا كيف نجحت هذه السياسة في اختفاء الوباء بمدينة فاس لما التزم أهلها بالحجر الصحي، وبالتالي محاصرته والقضاء عليه بشفاء من حالفه الحظ وموت من إنقضت أيامه، وكيف استمر نفس الوباء بكل من مراكش وتارودانت بسبب خرق ساكنتهما للحجر الصحي، ليدوم المرض بهما سنوات عديدة بعد أن خرجوا حاملين للوباء (الفيروس) إلى القرى والمداشر القريبة متسببين في إنتشاره .

يقول التمنارتي :  » ولما وقع هذا الطاعون بالمغرب سنة خمس أو ست (1005 أو 1006 هجرية) إلى ستة عشر وألف (1016 هجرية)، كان أول ما وقع بالحواضر، فأما أهل فاس ، فصبروا وتلقوا الأمر بالتسليم فارتفع عنهم من سنته، ولم يعد إليهم ، وأما أهل مراكش وتارودانت فتفرقوا له في البادية والجبال ، فكان أكثر وقوعه بهم وانقرض جل أعيانهم حتى استولى الخراب من ذلك على الحاضرتين ثم لم يزل يعود إليهم سنة بعد سنة وهم يفرون منه مدة من اثني عشر عاما، فكان يرى – والله أعلم – أن ذلك من شؤم الفرار منه والجزع فيه وفي غيره … ».
الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، أبي زيد عبد الرحمان التمنارتي، الصفحة : 111.

رغم أن هذا الوباء يحتاج إلى تعميق الدراسة في المصادر التي تناولته باعتباره من الأوبئة التي طال أمدها بالمغرب من طرف المختصين ، وذلك بتحليلها وفق الأليات العلمية الحديثة وربطها بعلوم أخرى مرتبطة بالأوبئة وبتاريخها، لاستخراج ما يمكن إستخراجه من فوائد ومعلومات تفيد الإنسانية في قادم الأيام، رغم ذلك فإن هذا النص الصادر من شاهد عيان يعتبر من النخبة التي لن يغيب عنها الحس العلمي أثناء وصفه لجائحة فتاكة جدير بالاهتمام والعرض خاصة وأنه يزكي إجراء تم إعتماده منذ عهود لمواجهة مثل هذه الجوائح، إجراء « الحجر الصحي  » الذي يبقى الحل الوحيد والمتاح حاليا لمواجهة الوباء الحالي  » covid19  » ، حتى لا نقع في ما وقع فيه أهل مراكش وتارودانت بداية القرن السابع عشر الميلادي وما وقع فيه فعليا الآن كل من الولايات .المتحدة الأمريكية و إيطاليا وإسبانيا من تفشي كبير للوباء.

loading...

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here